محمد متولي الشعراوي

2604

تفسير الشعراوى

نعرف أن كل شئ يجئ من الحق فهو ينزل إلينا منه سبحانه ، وكلمة « أنزل » تشعر السامع أو القارئ لها أن الجهة التي أنزلت هي جهة أعلى ، وليست مساوية لمن أنزل إليه ، وليست أدنى منه أيضا . وكلمة « أنزلنا » تدل على أن جهة أنزلت ، وجهة أنزل إليها ، وشئ أنزلته الجهة إلى المنزّل إليه . والكتاب هو المنزل . والذي أنزله هو اللّه . والمنزّل إليه هو رسول اللّه وأمته . وهل أنزل الحق سبحانه الكتاب فقط أو أنزل قبل ذلك كل ما يتعلق بمقومات الحياة ؟ وعندما نقرأ هذا القول الكريم : يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ( من الآية 26 سورة الأعراف ) إنه لباس جاء من أعلى ؛ لذلك استخدم الحق كلمة « أنزلنا » وهو ليس لباسا فقط ولكنه أيضا يزينكم مأخوذ من ريش الطائر لأنه لباسه وزينته ، فهو لا يوارى العورة فحسب ولكنه جميل أيضا ، والأجمل منه أنّه لباس التقوى . لقد جاء الحق بالمقوم للحياة سترا ورفاهية ، وبعد ذلك أنزل الحق لباس التقوى وهو الخير . فاللباس الأول يوارى عورة مادية ، ولباس التقوى يوارى العورات القيمية والمعنوية ، وكل ذلك إنزال من أعلى . وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه : لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ( من الآية 25 سورة الحديد ) إذن فكلمة « الإنزال » تدل على أن كل ما جاء من قبل الحق الأعلى إلينا ، فهو نازل إلينا بشئ يعالج مادتنا وقوامنا ، وبشئ يعالج معنوياتنا وقيمنا . ويقول الحق في الآية التي نحن بصدد تناولها الآن : « إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ » وحين يطلق الكتاب فالمعنى ينصرف إلى الكتاب الجامع المانع المهيمن على سائر